منهج الإمام السجاد في إحياء ذكرى عاشوراء

منهج الإمام السجاد في إحياء ذكرى عاشوراء

نفحات إسلامية

2019-10-31

83 زيارة

السيد حيدر العذاري

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطيبين الطاهرين

     وبعد: بين أيديكم الكريمة بحث مختصر عنوانه (منهج الإمام السجاد عليه السلام في إحياء ذكرى عاشوراء) الأليمة الخالدة ،

     ونريد بكلمة (منهج) هو الطريقة والسيرة العملية التي مارسها الإمام السجاد منذ اليوم الأول لاستشهاد الإمام الحسين بن علي عليهما السلام في كربلاء سنة (61هـ) حينما اجتمعت خيل أهل الشام – أتباع الحزب الأموي  – على محاصرته ومحاربته وقتله والتمثيل به وبأهل بيته وشيعته ، لنتعرف من خلال ذلك المنهج على أصول ظاهرة الإحياء الملفتة للنظر والتي يشهدها العالم بأسره في عصرنا الراهن لنسير وفقا لتلك المنهجية التي رسمها الإمام لشيعته وحافظ عليها أئمة الهدى من بعده لتبقى ذكراها وصداها مدوية عبر الزمن ..

 المبحث الأول: (الإمام السجاد شاهد عيان على ما جرى في كربلاء)

     حضر الإمام زين العابدين عليه السلام واقعة كربلاء بجميع مشاهدها ، من بدايتها ، بمقدماتها وأحداثها وملابساتها وما تعقبها ، وعاش تفاصيلها وجزئياتها ، وبقيت صورتها حاضرة أمامه دائما وبقي صدى صوتها مدويا في أذنه ما دام حيا..

وفيه مطالب عدة هي:

المطلب الأول: اشتراك الإمام السجاد عليه السلام في المعركة

     أجمع كل من أرخ لواقعة كربلاء ، ولسيرة الإمام السجاد على حضوره في كربلاء مع أبيه الإمام الحسين عليه السلام ، ولم يشذ عن هذا الإجماع أي مؤرخ ولم يذكر ذلك في أي مصدر .[1]

      أما اشتراكه في المعركة – قبل أن يشتد به المرض ويقعده عن النهوض – فقد ورد في أقدم نص مأثور عن أهل البيت في ذكر أسماء من حضر مع الحسين ، وذلك في كتاب (تسمية من قتل – قاتل – مع الحسين من أهل بيته وإخوته وشيعته) الذي جمعه المحدث الزيدي (الفضيل بن الزبير الأسدي الرسان الكوفي ، وهو من أصحاب الإمامين الباقر والصادق).[2]

     وإليك نصه: (( وكان علي بن الحسين عليلا ، وارتُثَّ ، يومئذ ، وقد حضر بعض القتال ، فدفع الله عنه ، وأخذ مع النساء)).

     يقول المحقق السيد محمد رضا الجلالي معقبا على هذا النص: ( ومع وضوح النص في قتال الإمام السجاد في كربلاء فإن كلمة " أرتُث " تدل على ذلك ، لأنها تقال لمن حمل من المعركة ، بعد أن قاتل ، وأثخن بالجراح ، فأخرج من أرض القتال وبه رمق ، كما صرح به اللغويون). [3] وهناك نصوص أخرى لا نذكرها خشية الاطالة..

 

المطلب الثاني: اصابته بمرض اسقط عنه فرض الجهاد لحكمة الحفاظ على وجوده

إن المصادر تكاد تتفق على أن الإمام السجاد كان يوم عاشوراء مريضا أو موعوكا ، كما ورد في ارشاد المفيد (ص231) ، وشرح الأخبار (3: 250) وسيرة أعلام النبلاء (4: 486).

أما نوعية المرض ففيه ثلاثة أقوال :

  1. لم يذكر نوع المرض ما هو ولا سببه.
  2. أن مرضه نتيجة ما أصابه من جروح بليغة في المعركة ، مما جعله يضعف عن القتال .
  3. أنه أصيب بمرض (البطن) وهو الاسهال الشديد بالتعبير الطبي المعاصر.

ولا نريد أن نخوض بأدلة الأقوال ومناقشتها وترجيح بعضها على البعض الآخر ، وقد بيناه في بحث مستقل.

      إلا أن ما يجب أن نلتفت إليه هو أن مرض الغمام السجاد جاء وفقا لحكمة الباري عزوجل وتخطيطه الدقيق للحفاظ على وليه المعصوم ليبقيه حيا بعد أبيه كإمام هدى تحفظ الشريعة بوجوده وسيرته كما أن الله تعالى حافظ على نوح بعد الطوفان بطريقته الخاصة وحافظ على إبراهيم وأنجاه من نار النمرود بطريقته الخاصة وحافظ على ولادة موسى وانجاه من بطش فرعون بطريقته الخاصة وهكذا بقية الأنبياء ، فمرض الإمام رعاية إلهية خاصة لها دلالتها العميقة على أن يد الغيب هي التي هندسة ذلك المرض في الزمان المناسب والوقت المناسب لتتخطى أنظار الأعداء ذلك الشاب الذي أعياه المرض وهد قواه حتى قال القائل منهم دعوه لما به فإن المرض أخذ منه مأخذه..

المبحث الثاني: منهجية الإمام السجاد عليه السلام في إحياء ذكرى عاشوراء الأليمة

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: منهجه في الأسر

     إن عاق المرض الإمام السجاد عليه السلام عن إكمال جهاد السيف في كربلاء لنصرة الدين من خلال نصرة الحسين (إمام الهدى) أمام يزيد بن معاوية (إمام الضلال) ، فقد انبرى ابن رسول الله مجاهدا في لسانه وبيانه وسيرته[4] وهو مكبل بسلاسل الاصر والسبي والسجن ، ليكون محور حديثه ونور كلماته هو الإمامة الجعلية وسيد زمانها الحسين بن علي ومظلوميته وفضح ما تدعيه السلطة الحاكمة من أن الخليفة هو ( المقرب إلى الله والدال عليه) وأن الخلفاء هم (آل الله) لا يجوز مخالفتهم ولا الخروج عليهم ويجب طاعتهم طاعة عمياء ففضحهم السجاد عليه السلام من خلال التعريف بخلفاء الله حقا وبمنزلة الأوصياء الربانيين وهم (علي والحسن والحسين وآله ومعهم الصديقة الكبرى) وبيان الخط الأصيل لامتداد النبوة وبيان الخط المناوئ لهم ..

وقد تجلى هذا المنهج في موقعين:

الموقع الأول: في الكوفة وفي مجلس عبيد الله بن زياد وفي الطريق ومن كلماته التعريفية ما ورد عنه قوله: ( أيها الناس أن كل صمت ليس فيه فكر فهو وعي ، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو هباء ، ألا وإن الله تعالى أكرم أقواما بآبائهم ، فحفظ الأبناء بالآباء ، لقوله : ( وكان أبوهما صالحا). الكهف: 82. فأكرمهما ، ونحن – والله – عترة رسول الله ، فأكرمونا لأجل رسول الله ، لأن جدي رسول الله كان يقول في منبره : ( احفظوني في عترتي وأهل بيتي ، فمن حفظني حفظه الله ، ومن آذاني فعليه لعنة الله ، ألا فلعنة الله على من آذاني فيهم ) حتى قالها ثلاث مرات. ونحن  – والله – أهل بيت أذهب الله عنا الرجس والفواحش ما ظهر منها وما بطن …).[5]

وفي هذه الكلمات معارف جمة لو يتسع المجال لذكرها لفصلناها لكن ليس لها مجال الآن..

الموقع الثاني: في الشام ، في قصر يزيد بن معاوية ، وأمام الناس

     ما رواه الخوارزمي في مقتل الحسين (2: 71) من خطبته العصماء التي بينت ما يجب بيانه للتعريف بالحسين وآله وما جرى عليه وسنأخذ موضع الشاهد منها كما روى الشيخ البهائي في الكامل : ( … أنا ابن الحسين القتيل بكربلا ، أنا ابن المرمل بالدما ، أنا ابن من بكى عليه الجن في الظلما ، أنا ابن من ناحت عليه الطيور في الهوا …). قال ولم يزل يقول : ( أنا .. أنا ) حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب ، وخشي يزيد أن تكون فتنة فأمر المؤذن أن يؤذن …ألخ.

    هذا هو منهجه في إحياء عاشوراء في الأسر وفي مجلس الطاغي يزيد وهو التعريف بمظلومية الحسين وفضله ومكانته ودوره ومنزلته وابكاء الناس عليه ..

    وإذا ذبح الحسين وقتل في كربلاء ، فإن نداءاته ظلت تدوي من حنجرة الإمام السجاد في مسيرة الأسرى وفي قلب مجالس الحكام.

    يقول المؤرخ الكبير الشيخ باقر شريف القرشي في كتابه (حياة الإمام زين العابدين: ج1/ص7): (( إن الإمام زين العابدين من أقوى العوامل في تخليد الثورة الحسينية ، وتفاعلها مع عواطف المجتمع وأحاسيسه ، وذلك بمواقفه الرائعة التي لم يعرف لها التاريخ مثيلا في دنيا الشجاعة والبطولات ! أما خطابه في بلاط يزيد فإنه من اروع الوثائق السياسية في الإسلام.

     وبرز الإمام زين العابدين على مسرح الحياة الإسلامية كألمع سياسي إسلامي عرفه التاريخ ، فقد استطاع بمهارة فائقة – وهو في قيد المرض والأسر – أن ينشر أهداف الثورة العظمى التي فجرها أبوه الغمام الحسين القائد الملهم للمسيرة الإسلامية الظافرة ، فأبرز قيمها الأصيلة بأسلوب مشرق كان في منتهى التقنين والأصالة والإبداع)).

المطلب الثاني: منهجه بعد الأسر

المنهج الأول: زيارة الحسين

تعد زيارة قبر الإمام الحسين عليه السلام من أهم مظاهر الانتماء لخط الحسين وابراز الاعتقاد بإمامته ورفض الخط المناوئ له والبراءة ممن قتله ومن أشياعهم وأتباعهم وأوليائهم ، وقد ورد عن أهل البيت عليهم السلام الحث الأكيد على زيارة قبره وعدم ترك الزيارة في أي حال من الأحوال رغم المخاطر والصعوبات ، وسار شيعة أهل البيت وفقا لهذه التربية منذ العهد الأول للفاجعة وإلى يوم الناس هذا ، وللإمام السجاد الدور الأكبر في ترسيخ زيارة الحسين عليه السلام إذ أنه عرج على زيارته بعد اطلاق سراحهم في الشام..

 روى السيد ابن طاوس في اللهوف (ص113): ((لما رجع نساء الحسين عليه السلام وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا للدليل مر بنا على طريق كربلاء فوصلوا إلى موضع المصرع فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بنى هاشم ورجالا من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وردوا لزيارة قبر الحسين عليه السلام فوافوا وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد واجتمع إليهم نساء ذلك السواد فأقاموا على ذلك أياما…)).

المنهج الثاني: حثه الشعراء على رثاء الحسين عليه السلام وندبته والتذكير به

     ذكر السيد ابن طاوس في اللهوف (ص115): ((ثم انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة قال بشير بن جذلم: فلما قربنا منها أنزل علي بن الحسين عليه السلام فحط رحله وضرب فسطاطه وأنزل نسائه وقال: يا بشر رحم الله أباك لقد كان شاعرا فها تقدر على شيء منه فقال بلى يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني شاعر فقال عليه السلام أدخل المدينة وانع أبا عبد الله عليه السلام قال بشير فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة فلما بلغت مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار

الجسم منه بكربلاء مضرج * والرأس منع على القناة يدار

قال: ثم قلت : هذا علي بن الحسين عليهما السلام مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه، قال: فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن مكشوفة شعورهن مخمشة وجوههن ضاربات خدودهن يدعون بالويل والثبور فلم أر باكيا أكثر من ذلك اليوم ولا يوما أمر على المسلمين منه وسمعت جارية تنوح على الحسين عليه السلام فتقول:

نعى سيدي ناع نعاه فأوجعا * وأمرضني ناع نعاه فأفجعا

يقول آية الله الشيخ مسلم الداوري: نجد أئمة أهل البيت قد أولوا هذا الموضوع اهتماما بالغا ، فكانوا يكرمون شعرائهم ، ويبذلون لهم المال مما يغنيهم به التكسب والاشتغال بغير هذه المهمة ، ويقرعون مسامعهم بتلك الجمل الشريفة من مدحهم والثناء عليهم، ويبشرونهم بما أعده الله تعالى لهم من الأجر المحمود.[6]

المنهج الثالث: تأسيس منبر ينعى الحسين وعقد مجالس العزاء (رجالا ونساء)

     يعد المنبر بشكله المعهود من أبرز سمات الذكر الحسيني وله دور عظيم جدا في بث ونشر الفكر الحسيني وتحليل خلفيات الواقعة ودوافعها ونتائجها وذكر المصيبة العظمى التي حلت بالحسين وأهل بيته وصحبه يوم العاشر من محرم ، وتطور المنبر اسلوبا ومضمونا عبر الزمن لكنه بقي محافظا على صبغته العامة وهي تذكير الناس بما جرى في كربلاء ، وقد تستغرب إن قلت لك أن المنبر الحيسني الحالي هو نسخة من منبر الإمام السجاد يوم رجع للمدينة وحدث الناس بما وقع عليهم من ذبح الحسين وأهل بيته وأنصاره وسبي عماته وأسرهم وقد بكى وأبكى من كان يستمع إليه وإليك نص ما ورد في هذا المعنى:

     روى السيد ابن طاوس في اللهوف (ص4 – 85): لما رجع الإمام السجاد للمدينة (( فخرج علي بن الحسين ، ومعه خرقة يمسح بها دموعه وخلفه خادم معه كرسي ، فوضعه له وجلس عليه ، وهو لا يتمالك عن العبرة ، وارتفعت أصوات الناس بالبكاء ، وحنين النسوان والجواري ، والناس يعزونه من كل ناحية ، فضجت تلك البقعة ضجة واحدة ، فأومأ بيده : أن اسكنوا ، فسكنت فورتهم ، فقال: الحمد لله رب العالمين ارحمن الرحيم مالك يوم الدين ، باري الخلق أجمعين الذي بعد فارتفع في السماوات العلى وقرب فشهد النجوى نحمده على عظائم الأمور وفجائع الدهور وألم الفجائع ومضاضة اللواذع وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاظعة الكاظة الفادحة الجائحة أيها القوم ان الله وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة وثلمة في الاسلام عظيمة قتل أبو عبد الله الحسين عليه السلام وعترته وسبى نسائه وصبيته وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان وهذه الرزية التي لا مثلها رزية، أيها الناس فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله أم أي فؤاد لا يحزن من أجله، أم أيه عين منكم تحبس دمعها وتضن عن أنهما لها فلقد بكت السبع الشداد لقتله وبكت البحار بأمواجها والسماوات بأركانها، والأرض بأرجائها والسماوات بأركانها، البحار والملائكة المقربون وأهل السماوات أجمعون. يا أيها الناس أي قلب لا ينصدع لقتله أم أي فؤاد لا يحن إليه أم أي سمع لا يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصم، أيها الناس أصبحنا مطرودين مشردين مذودين وشاسعين عن الأمصار كأنا أولاد ترك وكابل من غير جرم اجترمناه ولا مكروه ارتكبناه ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين إن هذا إلا اختلاق والله لو أن النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعها وأكظها وأمرها وأفدحها، فعند الله حتسب فيما أصابنا وأبلغ بنا فإنه عزيز ذو انتقام)).

المنهج الرابع : طبخ الطعام بيده وتوزيعه على من حضر مجالس العزاء

     من الشعائر التي سمت بالناس هي قضية اطعام الطعام في أيام عاشوراء حبا بالحسين عليه السلام وتخليدا لذكراه ، فالنفس حريصة على جمع المال وزيادته ، لكنها أمام الحسين تسترخص الغالي والنفيس ، وما ذالك إلا سيرا على ما ورد من سيرة للإمام السجاد في اطعام الطعام بعد كربلاء..

     عنْ عُمْرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ( عليه السَّلام ) لَبِسَ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ السَّوَادَ وَ الْمُسُوحَ ، وَ كُنَّ لَا يَشْتَكِينَ مِنْ حَرٍّ وَ لَا بَرْدٍ ، وَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ( عليه السَّلام ) يَعْمَلُ لَهُنَّ الطَّعَامَ لِلْمَأْتَمِ ".[7]

المنهج الخامس: ربط الأمة وتذكيرها بواقعة كربلاء بطريقته الخاصة المميزة

    عندما رأى الإمام ذات يوم قصّاباً يهمّ بذبح كبش له، فاقترب الإمام من القصّاب وسأله : يا هذا هل سقيت الكبش ماءاً قبل أن تذبحه؟ فأجابه القصّاب: نعم. نحن معاشر القصّابين لا نذبح الحيوان حتّى نسقيه ماءاً. وهنا بكى الإمام وأخذ ينتحب. ويندب أباه الإمام الحسين عليه السلام ، وأخذ يعرّف بمصيبته حيث قتل عطشاناً.[8]

المنهج السادس: تأسيسه لظاهرة البكاء على الحسين عليه السلام بطريقة مستمرة لافتة للنظر

     روى عن الصادق عليه السلام أنه قال: أن زين العابدين عليه السلام بكى على أبيه أربعين سنة صائما نهاره وقائما ليلة فإذا حضر الافطار وجاء غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه فيقول كل يا مولاي فيقول قتل ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جائعا، قتل ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عطشانا، فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبتل طعامه من دموعه ثم يمزج شرابه بدموعه فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عز وجل.

وحدث مولى له: أنه برز يوما إلى الصحراء قال فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكائه وأحصيت عليه ألف مرة يقول لا إله إلا الله حقا حقا لا إله إلا تعبدا ورقا لا إله إلا الله إيمانا وتصديقا وصدقا.

ثم رفع رأسه من سجوده وإن لحيته ووجهه قد غمرا بالماء من دموع عينيه، فقلت: يا سيدي أما آن لحزنك أن ينقضي ولبكائك أن يقل؟ فقال لي: ويحك إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، كان نبيا ابن نبي له اثني عشر ابنا فغيب الله واحدا منهم فشاب رأسه من الحزن واحدودب ظهره من الغم وذهب بصره من البكاء وابنه حي في دار الدنيا وأنا رأيت أبى وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي وها أنا أتمثل وأشير إليهم صوات الله عليهم فأقول:

من مخبر الملبسينا يانتزاحهم * ثوبا من الحزن لا يبلى ويبلينا

إن الزمان الذي قد كان يضحكنا * بقربهم صار بالتفريق يبكينا

حالت لفقد هم أيا منا فغدت * سودا وكانت بهم بيضا ليالينا.[9]

المنهج السابع: اقراره وتأييده للبس السواد على الحسين

    في الخبر المتقدم عنْ عُمْرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : (( لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ( عليه السَّلام ) لَبِسَ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ السَّوَادَ وَ الْمُسُوحَ ، وَ كُنَّ لَا يَشْتَكِينَ مِنْ حَرٍّ وَ لَا بَرْدٍ…)).[10]

 

المبحث الثالث: استمرار المنهج السجادي لإحياء ذكرى عاشوراء من خلال الأئمة من ولده وتمسك الشيعة بهذا المنهج عبر التاريخ وإلى اليوم

     أرسى الإمام علي بن الحسين عليهما السلام دعائم وأصول إحياء ذكرى عاشوراء من خلال استذكار الواقعة زمانا ومكانا وما جرى فيها عبر ما بيناه من منهج كان ولا يزال وسيبقى حتى ظهور المدخر حفيد الحسين والسجاد لأخذ ثأر جده المظلوم من أعداء أهل البيت عليهم السلام الذين سلكوا طرقا مخالفا لطريق الحسين وطريقته ، واستطاع الإمام السجاد أن يؤسس لظاهرة الإحياء عبر البكاء والندبة والتألم والتفجع وربط الأمة بكربلاء وبالحسين ومظلوميته وغذاها باسلوبه المميز الخاص طيلة حياته المباركة وهكذا استمرت ظاهرة رفع شعار مظلومية الحسين واحياء ذكراه الفجيعة عبر ولده سواء الخط المعصوم منهم وهم ( محمد الباقر وولده الصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري وحتى المهدي) وكل له طريقته الخاصة التي لا تخرج عن جوهر ما أسسه السجاد في احياء الذكرى والشواهد على ذلك كثيرة جدا ليس هنا محل بحثها..

أو الخط غير المعصوم لكنه على هدى السجاد من ولده وهم ( زيد الشهيد وهو أبرزهم بعد الباقر وبقية أخوته ). كلهم ندبوا الحسين وبكوه وعلموا الشيعة الحرص على زيارة الحسين وأخذ ثاره ومواجهة الخط المنحرف عن آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين والبكاء عليه وتخليد ذكراه وقد عانوا ما عانوا من أجل ذلك حتى أمست الظاهرة الحسينية هي السمة البارزة لشيعة أهل البيت في كل مكان وزمان ودفعوا الثمن غاليا من أجل ديمومتها وتطويرها وبقائها فدخلوا سجون الطواغيب وتشردوا ، ولوحقوا وشردوا وهجروا والمقابر تشهد على مواقفهم البطولية من أجل نصرة الشعائر الحسينية التي أسسها السجاد بعد استشهاد أبيه وحافظ عليها أئمة الهدى وشيعتهم حتى يوم الناس هذا رغم محاولات البعض الجاهل التقليل من شأنها لجهله وقلة اطلاعه على منهجهم في تخليد الذكرى العاشورائية الحسينية والبعض الآخر أدخل ما لايصح كالأطوار التي تتناسب ومجالس اللهو والطرب والغناء وقد ابتعد عن الموروث الأصيل من طرقة الحزن والمشاعر والتفجع لكن هذا هو ما ينفع الناس وهو باقي وذلك زبد سيذهب جفاءا..

     وما يشهده العالم اليوم من احياء لذكرى عاشوراء الحسين عليه السلام في كل عالم يوم العاشر من محرم ويوم الأربعين وغيرها من المناسبات على مدار السنة ما هي إلا ثمرة من ثمار منهج الإمام السجاد عليه السلام الذي حرص على تأسيسه لشيعته ليرتبطوا ارتباطا وثيقا بالحسين كإمام قائد إلى الله بذل مهجته في سبيل الله ليستنقذ عباد الله من الجهالة والضلالة والشك والارتياب إلى باب الهدى ، ونحج السجاد نجاحا عظيما في مشروعه هذا القائم حتى يوم الناس هذا والباقي حتى ظهور ولده المدخر المهدي من آل محمد…

نتائج البحث

يمكن أن نلخص ما جاء في بحثنا المختضب هذا من نتائج على نحو النقاط التالية:

النتيجة الأولى: أن الإمام السجاد جزء من مشروع الحسين عليه السلام الاصلاحي الذي أعلن عنه منذ خروجه من المدينة قاصدا مكة ومنها إلى كربلاء ليؤسس البراءة من الخط المنحرف عن أوصياء النبي والمتقمصين لمنصب الإمامة الالهية الهادية ، وهذا المشروع محوره الحسين عليه السلام وبعده الإمام السجاد ومعهم العقيلة زينب بنت علي علهم السلام.

النتيجة الثانية: أن الإمام السجاد كان صحيح البدن في أيام محرم الأولى وقد اشترك في المعركة وجرح وقد ذكرنا ما يدل على ذلك ..

النتيجة الثالثة: أن مرض الإمام السجاد ما هو إلا تخطيط الهي ورعاية الهية خاصة لوليه للحفاظ على وجوده وحياته من سيوف الأعداء وكيدهم نظير حكمة الله وتخطيطه للحفاظ على نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من كيد أعدائهم ، ثم تماثل الإمام للشفاء بعد يوم عاشوراء ليبرز من جديد كعلم هادي في الأمة ويمارس دوره الهدايتي كما يريد الله تعالى ..

النتيجة الرابعة: بروز الإمام السجاد عليه السلام كشخصية شجاعة لا نظير لها بحيث يقف أمام أعتى طغاة زمانه المستبدين ويعلن عن نفسه ونسبه الشريف ومنزلته ومنزلة آباءه ومظلوميتهم ويفضح أعدائهم من دون تصريح علني وإنما عبر التلميح والتلميح أبلغ من التصريح كما يقولون ..

النتيجة الخامسة: جعل محور خطابات الإمام ومنهجه التعريفي بالمظلومية هو الحسين كإمام هادي..

النتيجة السادسة: تأكيده وحثه على زيارة الحسين عليه السلام وربط الشيعة بقبر الحسين وضرورة التواجد عنده وعدم خلو هذه البقعة الطاهرة من زواره..

النتيجة السابعة: دعوته الشعراء لرثاء الحسين عليه السلام وذكر ما جرى عليه وندبته لأن الشعر وسيلة إعلامية مؤثرة في ايصال ما يريد ايصاله إلى الجمهور المتلقي وقد نجح في حصد التعاطف مع المظلومية ورزع الرفض للعمل الباطل الذي مارسته القيادة المستبدة على الإمام المفترض الطاعة كما صنع بنو إسرائيل بالأنبياء وأوصيائهم من قبل!

النتيجة الثامنة: أن أول من أسس المنبر الحسيني (كرسي يجلس فيه المحاضر والقاص والراثي لمصيبة الحسين ) هو الإمام السجاد عليه السلام وقد تحدث للجمهور المدني بعد عودته من كربلاء إلى مدينة جده رسول الله بما جرى على الحسين وهو يبكي وابكى من كان حاضرا وما منبر اليوم إلا نسخة مستنسخة مما صنعه الإمام السجاد للتعريف بالحسين عليه السلام.

النتيجة التاسعة: اقرار المعصوم عمل معين يصنع أمامه فهذا دليل مشروعية العمل وقبوله وهذا ما حصل مع نسوة بني هاشم حينما لبسن السواد واخذن بالنياحة على الحسين في مرآى ومسمع من الإمام عليه السلام.

النتيجة العاشرة: إن ما يشاهده العالم اليوم من بذل للطعام سيما أيام محرم الحرام وخاصة أيام الزيارة الأربعينية التي يقصدها الزوار من جميع أنحاء العالم لزيارة قبر الحسين في يوم أربعينه ما هو الا تأسي بالإمام السجاد الذي قام بطبخ الطعام بنفسه وتوزيعه بيده..

النتيجة الحادية عشر: أسس الإمام السجاد بطريقته الابداعية الخاصة اسلوب ربط الأمة بالحسين من خلال حضور ذهني وقلبي ووجداني لمعركة كربلاء ومأساتها في أدق التفاصيل فكلما رأى ماءا تذكر عطش الحسين وذكر الأمة به ، وكلما رأى طعاما تذكر جوع الحسين وذكر الأمة به ، وهكذا في حادثة القصاب وهذا اسلوب راقي لاستحضار الواقعة وبقائها حية ومستمرة ..

النتيجة الثانية عشر: أن المنهج الذي اسسه الإمام السجاد عليه السلام لإحياء ذكرى عاشوراء قد استمر عبر أئمة الهدى من ولده وتمسك به الشيعة وقد قدموا الغالي والنفيس من أجل بقائه واستمراره ..

 

التوصيات:

أولا: عقد مؤتمر خاص لدراسة ما جاء في هذا البحث المختصر وتسليط الضوء على ما جاء به من نتائج وفقا لدراسة موضوعية استيعابية شاملة ..

ثانيا: عمل فلم وثائقي يعزز بوسائل الايضاح الحديثة لتعريف الجمهور المتلقي بأصل وجذر الشعائر الحسينية وأن في أصلها تأسيس من أهل البيت عليهم السلام سيما الإمام السجاد عليه السلام.

ثالثا: قراءة الظاهرة الحسينية وتبني أهل البيت لها بدءا بالإمام السجاد ومرورا بالأئمة من ولده ودراسة منهج كل إمام وطريقته في إحياء ذكرى عاشوراء ..

رابعا: ارسال مجموعة من الباحثين والمفكرين للمراكز البحثية العربية والإسلامية ودعوتهم لقراءة سيرة الإمام السجاد عليه السلام من خلال الموروث العظيم الموجود في مدرسة شيعة أهل البيت عليهم السلام

 

وبهذا نكون قد انتهينا مما أردنا بيانه على عجالة تامة واختصار شديد

وأتقدم بالشكر الجزيل للعتبة الحسينية المقدسة والعاملين فيها على حسن ظنهم ودعوتهم وأخص بالذكر المتولي الشرعي سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي والأمين العام السيد جعفر الموسوي ، والدكتور طلال على دعوتهم..

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين ، وصلى الله على النبي الأمين وآله الطاهرين

المصادر

  • الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد / أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد (ت413هـ) نشر وتحقيق: مؤسسة آل البيت ع لإحياء التراث / قم /ط: الأولى ، 1413هـ.
  • الإمامة وقيادة المجتمع / السيد كاظم الحسيني الحائري / قم المقدسة / 1419هـ.
  • بلاغة علي بن الحسين  / الشيخ جعفر عباس الحائري / ط: الثانية / مطبعة كربلاء / كربلاء المقدسة ، 1385هـ.
  • تواريخ النبي والآل / الشيخ محمد تقي التستري / تحقيق: الشيخ محمود الشريفي والأستاذ علي الشكرجي / دار الشرافة / قم ، 1416هـ.
  • الحدائق الوردية / حميد الدين أحمد المحلي الشهيد / طبع دار أسامة / دمشق.
  • حياة الإمام زين العابدين / الشيخ باقر شريف القرشي / طبع النجف / مكتبة الإمام الحسن عليه السلام.
  • الروض النضير شرح المجموع الكبير / الحسين بن أحمد السياغي / مكتبة المؤيد / الطائف / ط: الثانية.
  • زيارة عاشوراء تحفة من السماء / الشيخ مسلم الداوري / تحقيق: مؤسسة الإمام الرضا عليه السلام/ قم / ط: الثالثة 2015م. اصدار العتبة الحسينية المقدسة.
  • السرائر / ابن ادريس الحلي العجلي (ت598هـ) / ط: جامعة المدرسين / قم ، 1410هـ.
  • شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار / أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي (ت363هـ) نشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات _ بيروت – لبنان / ط: الثانية ، 2006هـ.
  • اللهوف في قتلى الطفوف / السيد ابن طاوس (ت 664هـ) نشر: أنوار الهدى ، قم / ط: الاولى 1417هـ.
  • مجلة تراثنا / العدد الثاني/ سنة 1406هـ / قم المقدسة / مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
  • المحاسن / أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي (ت274هـ) تحقيق: السيد مهدي الرجائي / نشر: المجمع العالمي لأهل البيت / ط: الثانية 1416هـ.
  • مقتل الحسين / موفق بن أحمد الخوارزمي (ت568هـ) / تحقيق: الشيخ محمد السماوي / نشر: أنوار الهدى / ط: الأولى ، 1418هـ.
  • المنتخب / الشيخ فخر الدين الطريحي (ت1085هـ)/ نشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات / بيروت – لبنان .
  • وسائل الشيعة ( تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة) / محمد بن الحسن الحر العاملي (ت1104هـ) تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت ع لإحياء التراث/ قم / ط:الاولى ، 1412.

 

 

 


[1] – ارشاد المفيد (253) ، شرح الأخبار للقاضي (3: 265 – 266) ، السرائر لابن ادريس (1: 655) ، تواريخ النبي والآل للتستري (ص30 – 32).

[2] – والكتاب مذكور في الأمالي الخميسية للمرشد بالله (1: 170 -173) والحدائق الوردية للمحلي (1: 120).

[3] – تسمية من قتل مع الحسين ، مجلة تراثنا / العدد الثاني (105) 1406هـ. قم المقدسة.

[4] – (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) الروض النظير (5: 13).

[5] – بلاغة علي بن الحسين (95)، عن منتخب الطريحي.

[6] – زيارة عاشوراء تحفة من السماء :ص231-232

[7] – وسائل الشيعة ( تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ) : 3 / 238 ، للشيخ محمد بن الحسن بن علي ، المعروف بالحُر العاملي، طبعة : مؤسسة آل البيت ، سنة : 1409 هجرية ، قم / إيران . المحاسن ص420

[8] – الإمامة وقيادة المجتمع: 222

[9] – اللهوف: ص118

[10] – وسائل الشيعة ( تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ) : 3 / 238 ، للشيخ محمد بن الحسن بن علي ، المعروف بالحُر العاملي، طبعة : مؤسسة آل البيت ، سنة : 1409 هجرية ، قم / إيران . المحاسن ص420

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *